... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 

 

 

 
 

الاكثر تصفحا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 العراق القديم

 

 

بيئة العراق القديم والفن

عدد المشاهدات   2656
تاريخ النشر       21/04/2013 05:47 PM


نبراس الذاكرة
 

في العراق القديم كانت معاناة الفنان كبيرة ولاشك في حصوله على الخامات الافضل لندرتها في السهل الرسوبي في الجنوب والذي اشتهر بمناخه شبه الصحراوي , وقلة امطاره وبمسطحاته المائية وغنى حاصلاته الزراعية , الا ان بيئة العراق القديم كانت فقيرة فقرا بارزا من المواد الاولية الازمة لبناء الحضارة كالمعادن والاخشاب القوية الكبيرة والاحجار الصالحة للبناء والنحت , وليس صحيحا ما ذهب اليه بعض الدارسين ومنهم ثروت عكاشة من ان هذا الفقر في المواد لم يدع للايدي مجالا للدربة على النحت والصياغة ,الا ان ما ورثناه من اعمال فنية ملموسة يشهد على مقدرة انسان العراق القديم على تجاوز هذه الشحة في المواد عن طريق التجارة لجلب ما يحتاجه من المواد الخام كما حفزه هذا النقص على ابدع تقنيات دقيقة تكاد تكون متفردة في خلق الاعمال الفنية المصغرة والتي تتطلب مهارات فنية عالية كما في الاختام المنبسطة والاسطوانية والقوالب الطينية وصهر المعادن وصياغة الحلي وغيرها .

كما كان لفناني العراق القديم جهودهم المتميزه المشهوده في الصب والسباكة وعمل التماثيل من المعادن , اضافة الى الاشتغال على صخور البازلت والاحجار الجيرية وحجر الديورايت المعروفة بصلابتة على الرغم من ندرة الادوات وهكذا تجوزوا الصعاب التي ترج
ع الى قصور في معطيات البيئة وليس الى قصور في قدرات الفنان .
ولان لكل فعل رد فعل مناسب لذا نجد ان تاثيرات بيئة الانسان في العراق القديم قد جعلت منه قوة خلاقة مكنته من استثمار عقله للتغلب عليها وتكييفها لخدمته وبالتالي بناء حضارة عظيمة تميزت بكونها احدى اكثر الحضارات القديمة اصالة وتواصلا .وما من شك في ان تغيير الواقع تغييرا هادفا هو عملية ابداعية جبارة تستحق الاعجاب والدراسة.

ان السبيل الامثل لتصعيد احساس الانسان حيال طبيعته يتأتى من المعرقلات التي تجابهه والقدرة على تذليلها كلما كان ذلك ممكن .وبناءا على ذلك فان للبيئة الطبيعية ومؤثراتها دورا فاعلا في اثارة مشاعر الانسان العراقي القديم , بحيث اصبحت محفزة لقدراته الذهنية والابداعية .
ونستنتج من ذلك ان التوتر الذي عاشه العراقي القديم وهو خائف من الفيضانات المدمرة او من حرارة الصيف الشديدة المهلكة او شحة المواد اللازمة للعمل والبناء ساعد على الارتقاء الحضاري .

لذا فان من يروم الالمام بجوهر الف
ن في العراق القديم بوصفه احدى النشاطات الحضارية المستمرة ينبغي له معرفة البيئة الطبيعية التي ترعرعت فيها الحضارة بكل مفرداتها اولا لا كما ذهب اليه مورتكات في تأكيده لفهم الفن في العراق من خلال استيعاب فكرة الاله التي كانت انذاك جاعلا البيئة ذات دور ثانوي متناسيا انها اوجدت فكرة الاله اصلا في العراق .
لقد فرضت البيئة على فنانيها ارجحية في استخدام خامة قدر لها ان تتمتع بقيمة فنية ودينية .فمن الطين ,ثم الطين المفخور صنعت الاواني التي استخدمت لشتى الاغراض اهمها الدينية , ومن اللبن ثم الاجر المشوي بنيت المعابد فضلا عن صناعة التماثيل التي كانت تمثل على الارجح رموزا للمعتقدات الدينية ,واستخدام الطين ايضا في الكتابة المسمارية عليه والتي ظلت تستخدم الى حوالي عهد السيد المسيح (ع) ولهذا السبب فان ما وصلنا من الاعمال الفنية المنفذة بهذه المادة يعد قليلا بسبب ضعف المادة وتقنية العمل عليها ولاحتمال عدم فخر الكثير منها بشكل جيد اضافة الى تعرضها للتدمير المتعمد من قبل الاعداء عند الحروب اذ كانت هذه الاعمال الفنية تمثل رموزا دينية او ملكية .

لقد تعامل النحات العراقي القديم مع الحجر بما يتواءم وصلابة الخامة التي يجسد من خلالها موضوعه ووفرة هذه المادة لذا اعتمد على انجاز التماثيل الصغيرة في هذه المادة وبالتالي الاعتناء بها وبشكل اقتصادي وبتقنية خاصة فالقاعدة منفصلة في اغلب الاحيان ويتم توصيلها بواسطة اوتاد معدنية او خشبية وهناك طريقة اخرى تظهر في تشكيل الارجل بحيث تقف على قاعدة والجزء الخلفي من التماثيل يكون متصلا بالقاعدة من الخلف بنهاية الرداء ليصبح التمثال قطعة واحدة دون فراغات للحفاظ علية من الكسر وبذلك استطاع النحات تلافي شحة المادة في صناعة التماثيل .ولم تقف تجربة النحات عند هذا الحد فقد ابتدع تقنية لتنفيذ التماثيل الكبيرة من احجار صغيرة لاشباع رغبته في ذلك حيث اخذ ينحت التماثيل على شكل اجزاء صغيرة ويركبها مع بعضها عن طريق ادخال اوتاد معدنية او خشبية في ثقوب يحدثها لهذا الغرض فتكون القاعدة قطعة والجسم مكون من قطعتين مستفيدا من هيئة التماثيل حيث يستخدم الجزء الاسفل الذي يرتدي الملابس كونها قطعة مستقلة اما الجزء العاري من الجسم واليدين المتشابكتين للتعبد فيكون قطعة اخرى وبذلك يحصل على تمثال كبير نسبيا من ثلاث كتل حجرية صغيرة .
ان التبسيط العام في هيئة التماثيل الحجرية تفرضه محدودية التقنية وطبيعة المادة وشحتها ,لكن القدم الفني الذي تم انجازه على صعيد الصب بالمعادن هو الذي مكن النحات من التمثيل الواقعي في تنفيذ التماثيل وبحرية اكبر.

لقد توصل العراقيون القدماء في مجال صهر المعادن الى مستوى لا يضاهى في المهارة ويسعنا القول ان الكفاءة التقنية والمهارة اليدوية تمثلان عنصرا من العناصر المكونة لعبقرية النحات التي استطاعت تنفيذ ادق ما يمكن من تفاصيل الموضوعات المختلفة . ففي التماثيل البرونزية لم يواجه النحات العقبات التي كانت تحد من تنفيذه حركات على حجر اقرب ما تكون الى الطبيعة لمرونة مادة البرونز المنصهر ولسهولة التشكيل فيه .فحركة العضلات انجزت بشكل يدل على تكامل مسبق في المعرفة الفنية للنحات مكنه من الهيئة المراد تنفيذها .
ان تعدد الاساليب الفنية للنحت في العراق القديم مرده لا للمادة ولا للتقنية حسب بل الى تعامل ذهني اكثر عمقا لدى العراقيين القدماء.

عبد الحميد فاضل جعفر البياتي
 

 





   

   تعليقات القراء

 

الموضوع المنشور يعبر عن رأي صاحبه ... أضف أو صحح ما جاء في الموضوع
 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  

 

 
 
 
 
 
 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

Nbraas.com