... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 

 

 

 
 

الاكثر تصفحا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 العراق القديم

 

 

المعتقدات الدينية في العراق القديم

عدد المشاهدات   3100
تاريخ النشر       21/04/2013 04:53 PM


نبراس الذاكرة

ذكر القران الكريم في محكم أياتة وسورة أشارات عن أحداث تاريخية عدة لكن دون إن يتطرق إلى ذكر تفاصيلها بالكامل وإنما اخذ العبرة الدينية منها فقط وهذه هي الثيمة العامة للكتاب الحكيم. وفي هذه الآيات المحكمات تطرق قران الكريم إلى نقد جانب مهم وخطير اتجاه نوع العبادة والفكر الديني في العراق القديم الذي كان سائدا في فترة حياة النبي إبراهيم (ع) حيث كان بالطبع شاهدا على ممارسة تلك العقائد والطقوس والشعائر الدينية في زمانه وعصره..

كان الدين من أهم مقومات حضارة وادي الرافدين القديمة حيث شكل جانبا روحيا من تفكير الإنسان على مر العصور. فالأفكار والمعتقدات الدينية غالبا ما تحدد الهيكل العام لسلوك الإنسان وتؤثر على عاداته وتقاليده واعرافة ونمط بناءة الفكري والروحي. وتتركز الديانة العراقية القديمة على ثلاثة عناصر رئيسة: وهي الفكر الديني والشعور الديني والشعائر والطقوس والعبادة ودراسة هذه الديانة من الأشياء البالغة الصعوبة، ولكن سنحاول إعطاء حل أو تفسير تاريخي لهذه الآيات.

عبادة القوى الطبيعية:

في الحقيقة لا نعرف بالتحديد متى كانت البداية الأولى لنشوء فكرة الدين وممارسة العبادة للمرة الأولى عند الإنسان العراقي القديم. ولكن من المعروف إن في شمال العراق يكثر سقوط الإمطار  

الغزيرة ويزداد عصف الرعود والبروق وفيضان مجاري الأنهار في المنطقة الجبلية، فكان ذلك يسبب خوفاً شديداً  لدى إنسان العصر الحجري القديم وبسبب عدم معرفته بحقيقة الظواهر الطبيعية فتصور هذا الإنسان في بادئ الأمر بوجود قوى وأرواح شريرة كامنة في هذه الظواهر فظهرت بذور عبادتها تحاشيا لشرورها وإرضاءاً لها فاعتقدوا بوجود آلهة تسكن فوق قمم الجبال.

إما في جنوب العراق حيث السماء الصافية والأرض السهلية مكنت الإنسان من رصد وملاحظة الكواكب والنجوم بشكل واضح ولاحظ التغيرات المناخية بين ليل ونهار وصيف وشتاء فعبد تلك الكواكب أيضا. وبذلك ظهرت المجموعة الأولى من الإلهة وهي إلهة الطبيعة. ونعتقد إن عبادة هذه القوى كانت عبادة روحية تأملية وليست عبادة تجسيدية صورية لعدم العثور على دمى أو تماثيل

وبعد إن عرف الإنسان الزراعة وظهرت القرى الزراعية في الإلف التاسع ق.م. أصبحت الأفكار أكثر تعبيراً وشمولاً لواقع المجتمع آنذاك، فتعلق الإنسان بزرعه ومحصوله وارتبطت حياته بفكرة الخصوبة والنماء وخشي تقلبات المناخ المفاجئة. ولذلك ظهرت في قرية جرمو في الإلف السادس ق. م مجسمات دمى من الطين مثلت بعض الحيوانات المختلفة، وكذلك تم العثور على مجموعة دمى من الطين على هيئة نساء حبالى أو بدينات الجسم ذات اثدية كبيرة أطلق عليها مثيولوجيا اسم (الإلهة ـ إلام) وكانت تشير إلى رموز دينية اقترنت بوظيفة المرأة في عملية الإخصاب والإنجاب وأيضا ترمز إلى قوى الخصب والإنجاب الطبيعي للأرض. وان تلك الدمى شهدت تطورا فنياً ملموسا مع تطور القرى الزراعية تدريجيا وهذا ما اكدتة المكتشفات والتنقيبات والتحريات الأثرية ظهور الإلهة:
 

تطور الفكر البشري مع مرور الزمن وتقدم الجوانب الحضارية فيه. وقد ساعد استقرار السومريين في جنوب العراق وازدهارهم الاقتصادي والسياسي إلى نشوء حرية واسعة في الفكر والشعور الديني. فاتضحت معالم الديانة العراقية المنتظمة واكتمل نضوجها في العهد السومري في منتصف الإلف الرابع ق.م. أما الاكديون والبابليون والأشوريون فقد اقتبسوا الديانة السومرية، وأضافوا إليها تغيرات طفيفة في عدد الإلهة وأسمائها ونعوتها وأشياء أخرى لكنهم لم يغيروا جوهر الديانة الأصلية واعتقد السومريون بوجود مجمع للإلهة ومن خلاله يقررون ويناقشون مصير العالم وإدارة الكون وكان يرأس هذا المجمع احد الإلهة ويعتبر حينها الرب القومي والوطني للبلاد قاطبة.

إن أعظم آلهة حضارة وادي الرافدين هي التي شكلت الثالوث المقدس الذي عمت عبادته أرجاء البلاد جميعها ولعدة قرون وهم: (أنو) إله السماء، والذي لقب أبو الآلهة وترأس مجمع الآلهة السومري طوال عهدهم السياسي ومعبدة في مدينة الوركاء. و(أنليل) إلة الرياح العاصفة ومسبب الفيضان، ومعبدة أي ـ كور في مدينة نفر. وكان يترأس مجلساً إلهيا يسمى ألانونا أي الخمسين إلة.

و(أنكي) إلة المياه والأرض وإلة الحضارة ومعبدة أي ـ أبسو في مدينة اريدو، ولقب ملك الإلهة.  هؤلاء الثلاث هم الذين يقتسمون حكم الكون بينهم. ويأتي من بعدهم الآلهة الأخرى ويمثلون الثالوث الثاني ويعتبرون أبناء الإلهة الثلاثة في الثالوث الأول..

وهم: (سين) إلة القمر ومركز عبادته في مدينة أور واستمرت عبادته حتى القرن السادس ق. م و(شمش) إلة الشمس وكان عند السومريين إلة الحرب، أما الاكديين فأعتبروة مصدر الضوء والحياة وكان مركز عبادته في مدينة سيبار. و(عشتار) السيدة العظيمة إلهة الحب والخير عند السومريين والبابليين، وإلهة الحرب عند الأشوريين وكان مركز عبادتها في معبد أي ـ إنا في مدينة الوركاء وانتشرت عبادتها بعد ذلك في الجزيرة العربية وبلاد الشام. و(دموزي أو تموز) إلة الزرع والخصب وسمي بالآلة الراعي، الذي يجدد نمائه في فصل الربيع وهو زوج عشتار.

و(مردوخ) رئيس مجمع الإلهة البابليين طوال فترة حكمهم السياسي ومجدوه بخمسين نعت وصفة إلهية و(نركال) إلة العالم السفلي عالم الأموات وإلة الجحيم والنار. و(أدد) إلة الإمطار والزوابع والعواصف ومعبدة في بابل. و(ننخرساج) إلة إلام وعرفت ايصا باسم (ننماخ) أي السيدة الوالدة.

و (نابو) أو (نبو) إلة الحكمة والعلوم والآداب والكتابة، وأثار معبدة المسمى (أي ـ زبدا) مازالت خرائبه في مدينة بورسيبا المعروفة باسم برس نمرود قرب الحلة. واستمرت عبادته إلفي سنة وقد عبد السومريون والاكديون والبابليون والأشوريون مئات الإلهة حيث وصل تعدادهم في منتصف الإلف الثالث ق.م حوالي 2500 إلة حسب الوثيقة التي عثر عليها في مكتبة الملك الأشوري أشور بانيبال، إما الأب دايمل فقد توصل في أبحاثة إلى تشخيص 3300 اسم إلهة عام 1914..

ولكن بالتأكيد لم يعبد سكان بلاد الرافدين كل هذه الأرقام من الإلهة مرة واحدة فهناك أسماء عدد كبير من الإلهة هي عبارة عن نعوت وصفات كانت تطلق لتمجيد الإلهة وامتداحهم. والإلهة التي ذكرناها كانت هي الإلهة الأكثر شهرة عند الناس وبقوا على عبادتها لقرون طويلة من تاريخ العراق الملاحم والأساطير:

لقد صور العراقيون القدماء إلهتهم على شكل صور البشر، ومنحوها صفات بشرية بالإضافة إلى صفاتها الإلهية، فهي في نظرهم كالإنسان كانت تفكر وتعمل وتأكل وتشرب وتتزوج وتنجب الأبناء الذين هم الإلهة أيضا. وتخطط وتدير الكون في وقت واحد وتجتمع فيما بينها في مجمع الإلهة فتقرر مصير البشر من خير وشر.

ولم تقتصر الديانة في وادي الرافدين على العبادة والطقوس الدينية فقط، وإنما شهدت ولادة فلسفة جديدة عكست وجود شعب متحضر راقي ونقلت قصصه ونظرياته في خلق الكون والإنسان والعالم وهذه القصص أو الملاحم سميت مثيولوجيا باسم (الأساطير)، والتي تقسم مبدئيا إلى ثلاث أنواع وهي أساطير أصل الوجود والكائنات وأساطير تنظيم الكون والحياة، وأساطير التقييم والتشريع، فظهرت أسطورة انليل وننليل وهي تتحدث عن كيفية تكوين القمر وتكوين الآلة انليل وهو ابن آلة انو إله السماء وأمة إلهة كى إله الأرض، وابنة إله القمر والصراع الدائم بينهم.

 وأسطورة الإلهة انكي، والأسطورة الأشهر والأكثر مأساوية أسطورة عشتار وتموز. وأسطورة الطوفان، وأسطورة ملحمة كلكامش وانكيدو. وهذه الأساطير جميعها تندمج تحت مصطلح (أساطير الخلق السومرية).

ثم ظهرت أسطورة الخلق البابلية المسماة (الانيوما أيليش) والتي اكتشف أول كسر فخاري منها عام 1848 على يد المنقب أوستن هـ. لايارد وجورج سمث، وأما أخر لوح اكتشف منها عام 1925. ومطلع هذه الأسطورة يقول:

حينما في الأعالي لم تكن السماء (بعد) قد سميت.

وفي الاسافل لم تكن الأرض (بعد) قد ذكرت باسم.

(حينما) كان أبسو الأول منجبهم.

و(ممو) و(تئامت) التي ولدت الجميع.

مازالت أمواههم خليطه ببعضها.

ولم يكن قد تشكل مرعى، ولا كان بالإمكان رؤية هور قصب.

حينما لم تكن أية إلهة (أخرى) قد جاءت إلى الوجود.

اللوح الأول 1 ـ 7.

إن أساطير وملاحم وادي الرافدين عكست لنا الكثير من الجوانب الواقعية الهامة لحياة المجتمع العراقي القديم ويومياتها بما فيها الفكر الديني والعقائدي والفكر الاجتماعي.

و تعتبر أسطورة الاينوما ايليش مادة خصبة للكثير من التحليلات والأفكار عن العالم القديم ومعتقداته فهي تتضمن صراع مفاهيم عقلية وفلسفية. أسطورة الاينوما ايليش لا تشير مطلقا إلى مرحلة أكدية بل هي حصرا ضمن المرحلة البابلية منذ بداياتها الامورية وحتى أفولها على يد الأشوريين. وكان للصراعات السياسية تدخل واضح في نوعية العبادة حيث كانت إلهة الدولة المنتصرة تسود على غيرها وتتزعمهم، وتتوارى وتزول إلهة الدولة المنهزمة وتعتبر هذه إلهة خائنة لشعبها. مثل مردوخ الذي أصبح كبير للإلهة في عصر البابليين بعد إن كان الشأن لانليل وانو وانكي. والاهم من هذا وذاك إن الأدهى في المعتقدات الرافدينية وعموم ديانات الشرق الأدنى القديم هو عدم الاعتقاد ببعث ونشور وقيام وإنما مقر الجسد القبر حتى يبلى والروح تنتقل إلى عالم الأرواح العالم السفلي وتخلد فيه إلى الأبد.

عصر إبراهيم:

في خضم هذه الأفكار والمعتقدات والطقوس الدينية ورواج الأساطير الفلسفية التي تمحورت اغلبها حول مبدأ الوثنية والشرك واعتناق الشعب بالعبودية لمئات الإلهة المنتشرة في بلاد الرافدين قديما ولد إبراهيم الخليل في مدينة أور، وعلى الأرجح في الإلف الثاني ق. م. وكان عمة وربيبة يمتهن صناعة الأصنام وبيعها. ونشأ في وقت عسير سياسياً حيث صادف نهايات الوجود السومري وضعف الدولة الاكدية وبدايات تكوين دولة أور الثالثة وهذا ماجعل التذبذب واضحا على نمط الديانة عند المجتمع. فالديانة كثيرا ما كانت ترتبط بمصالح النظام السياسي للدولة الحاكمة آنذاك.

فارسلة الله عزوجل إلى جنوب العراق أتياً بمبدأ جديد ودين جديد وهو مبدأ التوحيد وعبادة الله وحدة لا شريك له. ونبذ عبادة الأصنام جميعها وتصحيح مسار عبادة القوم وإصلاحهم اجتماعيا.

ومن المعروف والمتداول شعبيا وليس (مثبت علمياً) إن إبراهيم  انتقل مع عائلته إلى مدينة بورسيبا التي تبتعد عن مدينة الحلة بحوالي 20 كم، وهو صبي، وفي احد الأيام حين خرج أهل بورسيبا إلى الاحتفال بعيدهم الكبير والذي اعتقد أنة (عيد الاكيتو الشهير)؟ فاستغل إبراهيم خلو المدينة من الناس فدخل المعبد وهو الزقورة حتما؟ فرأى هناك عدد من الأصنام متجمعة في مكان واحد. وعلى الفور رفع فأسه وحطمها جميعاً وعلق الفأس على عنق كبير الإلهة. وكبير الإلهة هنا هو كبيرها بالحجم والهيئة من ناحية ومن ناحية أخرى كبيرها بالشأن والرفعة

 والمقدرة والقصة معروفة وواضحة في القران الكريم..

ويبقى السؤال الذي يحيرني كثيراً هو: أي معبداً دخلة خليل الله، وأين يقع في بابل أم في أور أم في أكد أم في مكان أخر في مدن العراق الأثرية الأخرى.

 

حسن الوزني

شاعر وكاتب عراقي

Hwazney @yahoo.com

 

...........................

المصادر والمراجع:

1 ـ القران الكريم

2 ـ ما قبل الفلسفة / هنري فرانكفورت وآخرون / بغداد 1960.

3 ـ عشتار ومأساة تموز / د. فاضل عبد الواحد / بغداد 1986.

4 ـ العراق في التاريخ / مجموعة مؤلفين / بغداد 1983.

5 ـ الديانة عند البابليين / جان بوتيرو / بغداد 2005.

6 ـ أساطير سومر وبابل / صلاح أبو السعود / القاهرة 2009.

7 ـ سفر التكوين البابلي / ألكسندر هايدل / منشورات الجمل 2007.

8 ـ عصر الإلهة / د. أسامة عدنان يحيى / بغداد 2005.

9 ـ تاريخ حضارة وادي الرافدين ج2 / د. احمد سوسة / بغداد 1983.

10ـ  قصص الأنبياء والتاريخ ج2 / د. رشدي البدراوي / القاهرة

 

 





   

   تعليقات القراء

 

الموضوع المنشور يعبر عن رأي صاحبه ... أضف أو صحح ما جاء في الموضوع
 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  

 

 
 
 
 
 
 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

Nbraas.com