... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 

 

 

 
 

الاكثر تصفحا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 ذاكرة الشعر

 

 

لقصيدة (أخذني وياك) للشاعر (عريان السيد خلف)

عدد المشاهدات   2067
تاريخ النشر       03/12/2014 09:01 AM


نبراس الذاكرة
قراءة مغايرة

  هناك أخلاق كتابية ثابتة تقريباً في القصيدة الشعبية العراقية، مثل قيامها على عنصري المفارقة والمقابلة، أو الحالات التي دائماً يكون عليها الشاعر، إذ نراه صبوراً، مغدوراً، سموحاً، حكيماً، كريماً إلى آخر ذلك .. وان أقررنا بالقيمة الأخلاقية العالية لهذه الصفات، إلا أنها _ في الكتابة _ تحوِّل فعل الكتابة من خلق وإبداع وابتكار إلى أشبه بالعادة والروتين الأمر الذي سيشيع التشابه والتناص بين كثير جداً من الكتابات الشعرية.

      وبرأيي _ بوصفي قارئاً أكاديمياً _ أجد ان الشاعر الذي يذيب كل هذه المحفزات والمرتكزات الأخلاقية والاجتماعية وغيرها في تجربة ذاتية إنسانية عابرة للمسميات لا تقف عند حدود بيئة أو بلد أو مكوِّن هو المغاير لأنه لا يتشخص شعرياً بلونٍ فيكون نمطياً، ولأن هذا الاشتغال الخلاق، أي عملية التذويب، هو الانطلاق الجاد والمثمر من المحلية إلى العالمية.
      وفي أنموذجنا قصيدة (إخذني وياك) للشاعر الكبير (عريان السيد خلف) تمثيلٌ واعٍ بتحولات الكتابة للوصول إلى هذا الانطلاق الذي يشترط سلامة البداية ونوعية الأدوات لكي يصل إلى قمَّتهِ بقوة تمنحه ديمومة الحضور في ذهنية قُرائه ودارسيه، إذ يعلن الشاعر قصيدته بعنوان بسيط يتوخى (سلامة البداية) وهو (إخذني وياك) وهذا عنوان طلبيٌّ يوميٌّ مُقال على لسان العامة، والشاعر بوضعه العنوان هذا يوهم القارئ بأن المتن المقبل من القصيدة سيتطلب منه قراءة مهادنة لا تُتعب ولا تتطلب التمحيص، ولكنه يباغت القارئ بالحركة الأولى من القصيدة منذ الاستهلال الافتتاحي مباشرة بقوله:_

جملني ولو كطرة واخذني وياك
اهناك
لماي كَلبك
       بلجي روحي تنام
عصفورة جرف .. بلل جنحها الخوف
اخذني وياك

    وفي طلبه الاستهلالي هذا (جملني ولو كَطره) نرى طلب الاستزادة طلباً شعرياً لا يتم في الواقع بحذافيره، إنما هو طلب شعري يفتح به متن قصيدته بمشهد بانورامي يقول فيه:_

أمشي بغير واهس .. والطواري اكصار
وجفوني غرب .. وجفوف اديه وداع
واسمي بغير معنى .. وطيف كحلك غاب
تنشدني اعله كَلبي؟؟    
كَلبي حب وذاب !
يا كَلبي حلكَـ تنور .. لو سرداب؟؟

     وهنا نلاحظ المشهد يتشكل بثماني لقطات متنوعة وبتنوع في البنية الايقاعية على مستوى التقفية إذ تحول من الكاف المسبوقة بألف (وياك) التأسيس إلى الباب المسبوقة بالألف أيضاً (غاب/ ذاب/ سرداب).
   أما اللقطات فتأخذ قيمة بنائها من تنوعها، فاللقطة الأولى لقطة أفقية (أمشي) مصحوبة بتشخيص للشخصية هذه (بغير واهس ..) تفيد في توصيف هذه الشخصية المتحركة في القصيدة.
   بعدها تبدأ اللقطات (الثانية ،الثالثة ،الرابعة والخامسة) بحركة مصاحبة تساعد التشخيص السابق (ابغير واهس) إذ تكمِّله بما تنطوي عليه من أفكار متنوعة تساعد في التواصل الخلاق الذي ينشط البث الشعري للقصيدة:_

        والطواري اكصار
وجفوني غرب .. وجفوف اديه وداع
واسمي بغير معنى .. وطيف كحلك غاب

      في حين جاءت اللقطة السادسة (وطيف كحلك غاب) لقطة صوتية تؤدي إلى سكتة في الأداء تفتح المجال للقطة السابعة، وهذه اللقطة أي السابعة، تعيد التصعيد الصوتي فهي لقطة حوارية تستند على سؤال شعري معلوم بإجابة شعرية أيضاً :_
تنشدني اعله كَلبي؟؟    
كَلبي حب وذاب !

       وهنا تنتهي حركة المشهد، ولكن تبقى لقطة ساكنة وهي اللقطة الثامنة التي جاءت على شكل منولوجي صامت يراجع به الشاعر من ورَّطه بكل هذا الألم اللذيذ الذي يضيء عتمة العالم ألا وهو قلبه:_

يا كَلبي حلكَـ تنور .. لو سرداب؟؟

     بعد ذلك تبدأ الحركة الثانية من القصيدة بالأعراف نفسها التي بُنيت بها الحركة الأولى، أي باستهلال ومشهد، إذ في الاستهلال _ وهو استهلالٌ متني، أي داخل المتن وليس افتتاحياً مثل الأول _ ويقول فيه:_

صوغني ولو من ليلكم نجمة
تبات وياي

     وهنا نلاحظ، علاوة على شعرية الطلب كما مر في الاستهلال الافتتاحي، كيف يتواصل مع البناء بوعي مُجرِّبٍ وخبرةِ عارفٍ (جملني/ صوغني) و(لو كَطرة/ لو نجمة) و(خذني وياك) و(تبات وياي) وهذا التناسق في التواصل دليل على مــــا قدمناه مــن أن الشاعـــر يذيب العالم بتجربة عابرة للمسميات تجعل القارئ  يكتشف فيهـــا معانـــي مـــع كــــل قراءة، وهـــــذا الاستهلال لا ينفصل عــــن المشهد لأنه استهلال متني وهذه خصوصيته باختلافه عن الاستهلال الافتتاحي، بل يتواصل مع المشهد ويرتبط به إذ جعل (لو) الشرطية اللفظة التي يبدأ بها المشهد لازمةً كي يتم طلب الاستهلال المتني وهكذا يبدأ المشهد الثاني الذي تشكل من ثلاث حركات، تستمر الحركة الأولى به في ضوء المفردة الشرطية التي تقدمها (لو) وبهذه الحركة يقول:_

ولو طال السهر .. ويجيسها الوهواس
أطفيها بصبح .. والغبشة رشكَة ماي
واشعلني ولع
      يدوي العطش بالعود

    والملاحظ على هذه الحركة انها حركة إلحاح ممتلئة بالتصوير الشعري بطريقة حلمية سريالية بدءا من طلبه نجمةً هديةً بطريقة ريفية (صوغة) ومن معالجة لتعب هذه الهدية (أطفيها بصبح .. والغبشة رشكَة ماي) التي هي غير مشمولة بهذا التعب ولكنه أنسنها، وكذلك الأمر مع طلبه للولع، ثم تبدأ الحركة الثانية التي يبنيها الشاعر نتيجةً لما يترتب من الطلب الحاد الذي قدمه في الحركة الأولى، أي انه قدم فعلي (صوغني/ اشعلني) ليصل إلى حالة خلق وإعادة بناءٍ وإبداع _ كما قلنا في المقدمة _ بقوله:_

حتّه انزع جلد روحي .. وارد لصباي

وهنا تتم عملية الإبداع في (انزع جلد روحي وارد لصباي)، وتستمر الى أن يصل الى الحركة الأخيرة وهي حركة استسلامية جاءت بلغة واضحة ولكنها عميقة لتعلن استسلام الشاعر، بقوله:_

من يا صوت اصيحك والصدى ايجاريك
وكّلك مكّدرت يلتكَدر بلياي

ولكن أي استسلام هذا؟ إنه استسلام يشبه استسلام الطفل الهارب من أبيه الذي يركض وراءه يريد (عضة خدهِ) بلطف لا يوصف وبألم لا تتكرر لذته ..
هكذا أرادت قراءتنا هذه أن تثبت ان النص الشعبي جاهز لتَمثُّل الحداثة واستيعابها والتفاعل معها بل وتطويرها، فقد قدمت قراءتنا نصاً تجاوز الأعراف السائدة (المدح والذم) والصفات التي قدمنا لها؛ ليكتب بلغة تنهل من مقومات العالم المعاش وتُذيب ذلك بقصيدة تتجدد كلما تُقرأ.


  حمد محمود الدوخي
 

 





   

   تعليقات القراء

 

الموضوع المنشور يعبر عن رأي صاحبه ... أضف أو صحح ما جاء في الموضوع
 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  

 

 
 
 
 
 
 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

Nbraas.com