... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 

 

 

 
 

الاكثر تصفحا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 ذاكرة الأحتلال

 

 

يوم دخول الانكليز الى (ديلتاوا) كان آخر أيام دراستي في العصر العثماني

عدد المشاهدات   1720
تاريخ النشر       04/02/2015 10:30 AM


نبراس الذاكرة
 

شهادة لصاحب «قل ولا تقل}

يقول الدكتور مصطفى جواد: ولدت في الربيع الاول من القرن الرابع عشر للهجرة كنت اسكن في محلة عقد القشلة ببغداد في الجانب الشرقي منها بجوار الجامع المعروف بجامع المصلوب، وكان والدي جواد ابن مصطفى ابن ابراهيم خياطا بسوق الخياطين المجاور لخان مرجان المعروف عند الاتراك واهل بغداد (خان اورتما )، وقد اتخذ خلال هذه الايام الاخيرة متحفة للاثار العربية ، وقد اصاب العمى والدي لسبب من الاسباب التي تؤدي الى هذه العاهة ، واشار له بعض اصدقائه ان يقتني املاكا بناحية " ديلتاوا " المعروفة اليوم بالخالص ويتعيش بها ، ومع هذا فقد تملك والدي قبل ذلك ببغداد دكانه الذي يحترف فيه بسوق الخياطين ، وداره التي يسكن فيها ودارا اخرى في محلة (الطاطران) لان اول سكناه ووالده كان هناك ، وبستانا صغيرا في الكرادة الشرقية ومُستغلا في محلة القاصرخانة ، باعه قبل ان ينتقل الى ديلتاوا ، ونقلني والدي معه الى ديلتاوا ولما بلغت سن الدرس في الكتاتيب وكانت مختلطة بالاطفال يشترك فيها البنين والبنات ،اسلمني والدي الى كتاب معلمة للقرآن الكريم تعرف " بالملية صفية " وعندها اخذت أُلقن القران الكريم بعد دراستي حروف الهجاء على الاسلوب القديم المعروف ، ثم نقلني والدي الى مدرسة ديلتاوا الابتدائية وكانت تسمى ايامئذ باسم (مدرسة المكتب ) واتذكر من معلميها صبري افندي (رحمه الله تعالى )وكان كما يظهر من احواله عاريا من العلم ، وعبد المجيد الاعظمي وهو رجل فاضل وعليه تدربت في خط الرقعة الذي هو خطي المعتاد.

استدراك (المحرر) :

(نلمس هنا لغة التهذيب التي يوصف بها جواد معلمه رغم جهله فهو يترحم على روحه ويصفها بالعري عن العلم بدلا من اوصاف خشنة اخرى ،كما ان التدريب على الخطوط ومدارسها كان يشكل محورا مهما من محاور التعليم في عشرينيات وثلاثينيات القرن السابق ، واختفاء هذا الدرس علامة في انحطاط خطوط الطلاب التي بلغت اقصى درجات هشاشتها في ايامنا هذه)

الانكليز في ديلتاوا
وجئت الى الصف الثاني الابتدائي حسب النظام العثماني وبعدها انتقلت الى الصف الثالث الابتدائي، وفي شتاء تلك السنة دخل الجيش الانكليزي ديلتاوا في العام 1917 اي في سنة سبع عشرة وتسعمئة والف على حسب النطق الصحيح، ودخل الجيش الانكليزي ديلتاوا متعقبا الجيش العثماني المنهزم نحو الشمال وقد مر الجيش المذكور بالمدرسة التي ادرس فيها لوقوعها على الطريق العام من الناحية ،وكان ذلك اليوم اخر ايام دراستي في العصر العثماني، وقد توفي والدي قبل ذلك بقليل فلم يتهيأ لي الاستمرار على الدراسة ،وانصرفت الى رعاية البساتين التي خلفها لنا الوالد لي ولأخي الاكبر كاظم واخواتي الست من زوجين اثنتين وكانت والدتي الاخيرة ، وبعد عقد الهدنة بين الاتراك العثمانيين والانكليز استتبت الامور بالعراق وفتحت مدارس ومعاهد، منها مدرسة ديلتاوا الابتدائية ، الا اني كنت مقبلا على شأني (يقصد ادارة البساتين) ،وحدث نزاع بين والدتي واخي الكبيركاظم من اجل الوصية عليَ والاشراف على اموري لاني كنت قاصرا يومئذٍ ، فنقلني اخي الى بغداد وادخلني المدرسة الجعفرية الاهلية
ايام كانت قرب سوق الغزل واذكر من مدرسيها الاستاذ شيخ شكر البغدادي ومحمد حسن كبة واحمد الخياط، رحمة الله عليهم.

استدراك (المحرر) :

(اولا لابد عند ذكر المدرسة الجعفرية من الفات النظر للدور الكبير الذي قدمه القائد الوطني جعفر ابو التمن لترى هذه المدارس النور وما ادته من وظيفة في تزويد المؤسسات الادارية من خريجيها اصحاب الكفاءات التي عززت بناء المؤسسات للدولة وقللت من فجوة تهمة طائفية الدولة التي هندست ايام العثمانيين ورسخها الاستعمار البريطاني ،كما لابد من التعليق بان ادارة هذه المدرسة لم تكن بالضرورة من الطائفة الجعفرية كما يورد العلامة مصطفى جواد في مذكراته هذه والتي تحمل اسمها بل ان هيئتها التدريسية كانت تضم من جميع طوائف العراقيين من دون استثناء بل انها كانت ملاذا للمعلمين والمدرسين الذين تطردهم الحكومة وتقصيهم لاسباب سياسية او عنصرية،ولي مع معلميها شهادات عن هذه الحقيقة كما في شهادة نجيب محيي الدين في سلسلة هذه الشهادات عندما آوته المدارس الجعفرية بعد فصله 1952 لتحريضه طلبة دار المعلمين في بعقوبة ضد الحكومة القائمة انذاك والمشاركة بمظاهرات ضدها)

مواصلا ذكرياته

(ثم قصر اخي في تسديد اجرة المدرسة فاخرجت منها وانتقلت الى مدرسة باب الشيخ الابتدائية في اول محلة الصدرية وكان المدير ايامها السيد هاشم الالوسي رحمة الله عليه ،واذكرمن مدرسيها او معلميها السيد الاستاذ جميل الراوي ثم تركت هذه المدرسة والتحقت بوالدتي بعد استصدارها حكما بالوصية عليَ ، وقد قاسيت كثيرا من العوز حتى حلت سنة 1920 الميلادية اي سنة عشرين وتسعمئة والف الميلادية وفيها ضاقت علي سبل العيش في بغداد فرأيت ان انتقل الى ديلتاوا وانتفع بحصصي بالبساتين الموروثة وان كان الغالب على غلاتها التمر وهو ارخص الفواكه في العراق، وكانت الثورة العراقية قد شبت في عدة انحاء من العراق ولا سيما الفرات الاوسط ولواء ديالى واستولى الثوار على بعقوبة ونواحيها ومنها ديلتاوا وكانت الطريق بين بغداد وبعقوبة وديلتاوا تحت رقابة الانكليز، وقد سخروا النساطرة التياريين والارمن اللاجئين لقطع الطريق على الثوار ومحاربتهم فلم اجد الا طريقا جديدا وهو الشرقي منها وسَلكته مع قافلة من المكاريين سائرا على قدمي وبلغت قرية (كشكين) المجاورة لديلتاوا مساءً واظلني الليل فيها وحرت في امري لان القافلة سلكت طريقا اخر ، فأضافني رجلٌ من ذوي القربى وخرجت من عنده صباحا ووصلت الى ديلتاوا ووجدت على طريقها الثوار قد بنوا على طريقها المؤدي الى بعقوبة باباً دفاعياً تحصينياً ، وبقيت في ديلتاوا لادارة شؤون البساتين، وكان الحكم فيها للثوار وهم في هرج ومرج وكان الانكليز قد جمعوا قواتهم واعوانهم واعادوا الكرةَ على بعقوبة فاسترجعوها ولبثوا ينتهزون الفرصة للانقضاض على ديلتاوا واخذوا يرسلون عليها وعلى الثوار طيارات ثلاث ترمي عليهم القنابر وترهبهم وتخيفهم تمهيدا للهجوم عليهم وفي اليوم العاشر من محرم سنة 1339 الهجرية اي سنة تسع وثلاثين وثلاثمئة والف الهجرية الموافق لليوم الخامس والعشرين من ايلول سنة 1920، وكان ذوي الاكثرية من اهل ديلتاوا مشغولين بالاحتفال الحسيني وذلك يوم عاشوراء كما بان من قولي السابق ، في ذلك اليوم ارسل الانكليز عليهم ثلاث طيارات رمتهم بالقنابر تمهيداً للهجوم وقد ظنوا ان الامر قصف بغير هجوم كما جرى عليهم من قبل ، ثم ارسل الانكليز جواسيس الى ديلتاوا نفسها يخدعون الثوار وينادون بانهم اسقطوا طيارة من الانكليز في مقاومة لها عند هجومها ، ويضعون جماعة بايديهم الآلات من الخشب تدار فتحدث اصواتاً كاصوات رصاص رشاشات من الاسلحة النارية الحديثة ، فلما برز الثوار الى موضع الاصوات كان الجيش الانكليزي المؤلف من هنود السيخ وقليل من الانكليز قد كمنُ في طريقهم وراء ضفاف الانهار ولما برزوا امطروهم بوابل من رصاص البنادق والرشاشات وقنابر (الشارت بيري) التي تنفجر قبل وقوعها فقتلوا منهم وجرحوا وتفرق الباقون شذر مذر، ودخل الجيش الانكليزي ديلتاوا وكان معه اناس من العراقيين من عرب ومستعربين يدلونهم على دور اعيان الثورة وفعلوا بديلتاوا الأفاعيل من تقتيل للرجال والشباب والاطفال وتشريد للعيال وواجهت ديلتاوا التعذيب والتخريب والنهب والسلب وقطع النخل والاشجار واحراقا للديار، وكنت فيمن خرجت لرؤية الطيارة المختطفة المزعومة فلم اجد الا بقايا الرصاص فمكثت مع صبية اخرين كانوا قد احبوا الاطلاع ايضا وهربت معهم وقضينا تلك الليلة في البساتين وكانت ليلة باردة ممطرة ذات رعد ورياح شديدة ودخلنا ديلتاوا في اليوم الثاني عصرا بعد ان سمعنا بان الهدوء ساد وعم فيها وكنا صغاراً لا نعد من حملة السلاح ولا القادرين على الكفاح ، وامسينا ديلتاوا خاوية عاوية قد قتل رجالها ونهبت اموالها وساءت جدا احوالها .

استدراك (المحرر) :

(صورة بانورمية تكشفها ذاكرة الطفل الصافية تروي صورا عالقة عن بشاعة المحتل البريطاني ومكائده بحق ابناء شعبنا في ديلتاوا وغيرها من المناطق التي احتلها ، كما تكشف عن البسالة والبطولة التي ابداها اهالي ديلتاوا العزل رغم تفاوت الاحوال بين الغزاة والثوار المحليين ،وهي صورة ظلت تحتفظ بها ذاكرة الطفل رغم مرور خمسة عقود من وقوعها وهي درس مهم في المواجهة بين الثوار والقوة الغاشمة للمحتل وان العواطف الثورية الصادقة لاتكفي وحدها في تحقيق انتصارات بمثل هذه المعارك التي لاتستوجب تقديم تضحيات هي اقرب للانتحار منها للتضحية المجدية)


تحرير: توفيق التميمي

 

 





   

   تعليقات القراء

 

الموضوع المنشور يعبر عن رأي صاحبه ... أضف أو صحح ما جاء في الموضوع
 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  

 

 
 
 
 
 
 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

Nbraas.com