... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 

 

 

 
 

الاكثر تصفحا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 ذاكرة الأحزاب

 

 

اعلنت حكومة البعث حربا على تمثال مصطفى جواد

عدد المشاهدات   2476
تاريخ النشر       04/02/2015 11:30 AM


نبراس الذاكرة


شهادة لصاحب «قل ولا تقل} ( الحلقة 2 )

حظي البرنامج بنسبة مشاهدة عالية لم يحظ بها برنامج ثقافي من قبله لما تمتع به جواد من اسلوب سلس وطرافة معهودة، فكان يتابعه الصغار والكبار، العامة والمختصون ذلك البرنامج الذي كان فيه المرحوم يبسط اللغة العربية للمستمع العام وللمتخصص في العربية وتاريخها.
وربما استعار عنوان كتابه من الدراسات اللغوية الفرنسية التي شاعت في أثناء دراسته بجامعة باريس. ابتدأ بنشر موضوعه منذ العام 1943 في مجلة "عالم الغد" فكان يذكر أولا الصحيح أو الفصيح ويشفعه بالغلط أو الضعيف، وكان يرتب ذلك على حروف المعجم.

علاقة مع الكرملي

خلال سنة 1925 تعرف بالعلّامة اللغوي الأب أنستاس الكرملي، وكان للكرملي مجلس أدب ولغة في الكنيسة اللاتينية يؤمه أدباء الدرجة الأولى في بغداد، وفي جلسته الأولى أثار مصطفى جواد معركة حامية حول العامية والفصحى، وكان يبزهم في الأدلة والبراهين، فمال إليه الكرملي منذ لحظته الأولى قائلا: "أريدك يا أخ اللغة أن تحضر مجلسي كل أسبوع".
عند حضوره في الأسبوع الثاني كلفه الكرملي بأن "يهندم" مكتبته على التنظيم العصري، وكانت من خيرة مكتبات بغداد، فنظمها وجعل لها فهارس
وأخرج منها العابث والمكرر، ثم اقترح عليه الكرملي الكتابة في مجلته الشهيرة لغة العرب، فكتب أبحاثا لغوية ونقدا في التراث اللغوي وزاوية خاصة بـ"التصويبات اللغوية" وكان الكرملي مثله سيدا في اللغة ومثله تعرض لخصومات
جيرانه التي أرادت أن تبطش به لولا دفاع مصطفى جواد عن جواهره وانجازاته في لغة العرب، وكتب مقالة بحق الكرملي في مجلة السياسة المصرية في الثلاثينيات كان بها ينهي خصومة الكرملي وهو القائل على قبره:
"ياسائرا، ووجيب القلب صاحبه... لنا ببغداد من بين القسوس أب
أب عزيز وذو علم ومعرفة... قضى السنين بشوق العلم يكتسب"

بعيد عن السياسة

كان العلامة جواد بعيدا عن السياسة ومشكلاتها ولا يعنى بمتابعة مجرياتها حتى قيل إنه لو ُسئل عن مدير شرطة بغداد لصعب عليه معرفته، ولكن لو سُئل عن رئيس الشرطة في زمن هارون الرشيد لقال إنه فلان ابن فلان عُين لرئاسة الشرطة سنة كذا وعزل من عمله عام كذا وتوفي عام كذا واستخلفه فلان الذي... الخ ولأورد تاريخ الشرطة في ذلك الزمن من دون أن يعنى بالحاضر لاشتهاره باهتماماته التاريخية وانصرافه للعلم وحده، حرص على ان يضع حدا فاصلا بين طريقه في البحث والعلم وبين السياسيين والحكام. وربما كان هذا درسا حرص على تلقينه لاولاده مستقرئا مستقبل مكانة العالم وتحولات بلده وما ستؤول اليه من انهيار هيبته وخذلانه في ازمان حكومات جاهلة لاتقيم وزنا للعالم والمفكر والمثقف بقدر ما كانت تغدق من اموال ومكاسب على جنرالتها وجلاديها وجيوش مخابراتها. رغم ابتعاده عن السياسة وألاعيبها ودهاليزها العلنية والسرية ،الا ان جواد كان وطنيلا صلبا لايحايد في الاعتراض على ظلم يحيق بعامة الشعب ولايخبئ رأسه عند الخطوب الكبيرة والاحداث الجسام ،كانت لديه الوطنية والالتزام بها وتحمل تبعاتها قضية مبدأ ورسالة تختلف في معناها ومبناها عن السياسة ومقاصدها في التكسب والسلطة ، ودفع جواد لهذه الوطنية قدرا كبيرا من صحته التي استنزفت رويدا رويدا حتى وافتها الجلطة القلبية أواخر العام 1969.

مصطفى جواد الأب

علامة اللغة والتحقيق كان هو نفسه ذلك الاب الحنون ، الصديق لاولاده وبناته لايفرق في معاملتهم ولا يميز بفيض محبته بينهم ،كان لمصطفى جواد صورة اخرى غير صورة استاذ الجامعة ومقدم البرامج الثقافية الجاد ،هي صورة تكمل اجزاءها اللامعة بعضها بعضا، ولكن ربما كانت صورة الاب والزوج هي صورة غير معروفة لمريديه وطلابه ومتتبعي سيرته ،فمثلما كان لايضيق متبرما ولا يطلق تأففا في سبيل تعليم الصحيح من اللغة، ويعدها قضية مبدأ ورسالة يؤديها في كل مكان يتواجد فيه، سواء كان ذلك المكان مطبخ المنزل حينما لايقبل ان تختلط اوصاف الشم بالبصر في مفردات الطعام فيصحهها لبناته وزوجته، فهو كذلك يقوم بتصويب كلمات سائق "التاكسي" الذي يستأجره ويستدرك تصويب لحن لغوي ارتكبه مقدم البرامج الذي يقدمه، فضلا عما يقوم به لطلابه وزملائه في اروقة الجامعة والكلية.

حرب على تمثاله

في سياق حرب حكومة البعث الثانية ضد رموز العلم وعمالقة الثقافة العراقية لتعارض ذلك مع سياستها في التجهيل والقمع، وحين عجز الدكتاتور أن يحارب شخص الدكتور مصطفى جواد لوفاته العام 1969، فانه أعلن الحرب على نصبه الذي كان يقف شامخا في مدخل مدينته "الخالص"، محاولا محو هذا المعجم اللغوي والتاريخي الوقور، حيث كان هناك تمثال عن ثورة العشرين في ساحة مدخل "الخالص"، تم رفعه ووضع تمثال الدكتور مصطفى جواد بدلا منه من عمل الفنان الراحل مؤيد الناصر وساعده في ذلك الفنان علي الطائي ، وبعد أكثر من عشر سنوات أي في ثمانينيات القرن الماضي رُفع التمثال من محله عن طريق التحطيم، فجرى سحبه من مكانه ورميه في معمل السمنت .
ربما كان رحيل جواد مبكرا في العام الاول من حكومة البعث الثانية قدرا بصالح عمره القليل بسنواته المديد بعطائه ، فجواد أغمض عينيه بجلطة قلبية مباغتة وهو لم يفارق طلابه الذين كان يصحح لهم ويغدق عليهم بتصويباته على اطروحاتهم الجامعية وهو على فراش الموت ليعطي مثالا نادرا للوطنية الحقة بعيدا عن التبجح بالشعارات والعبارات الحماسية والخطب البلاغية .
رحل مصطفى جواد قبل أن يشهد وهو الحساس المرهف هجوم برابرة البعث على العلماء وزملائه المفكرين والحط من قدرهم بالتسقيط والملاحقة والتشريد واجبارهم على عسكرة الجامعة وتسميم اجوائها العلمية والاستخفاف بقدر وقيمة ومكانة زملائه التدريسيين الذين كانوا يحسدون جواد في قبره لانه لم يشهد مهازل البعث وما ارتكبه الصداميون بحق زملائه من التدريسيين والمفكرين والقامات الثقافية الكبيرة ومع غيابه عن عالمنا فلم تسلم آثار مصطفى جواد وبقاياه ولا رسائله ولامخطوطاته وفقرات وصيته من العقوق والعبث ولاحتى قبره الذي تبرعت له به الحكومة تشريفا لدوره وتعظيما لمقامه بجامع براثا في جانب الكرخ من بغداد .
في شهادات طلابه ومريديه

قال تلميذه مثنى كاظم صادق:على الرغم من مرور أكثر من أربعين عاما على رحيله فما زال أغلب الأساتذة يستشهدون ببعض المفردات التي أوجدها". وكتب تلميذه النجيب الدكتور عناد غزوان"يقف مصطفى جواد علما بارزا من أعلام النهضة العربية في ثقافتنا وحضارتنا وفكرنا وتاريخنا الإنساني. فقد كان عاشقا طبيعيا للحقيقة، مخلصا لها، مترصدا إخلاصه فيها، هائما بها ولذاتها. تلك الحقيقة هي حبه العميق للغة العربية لغة الحضارة والفكر الإنسانيين. كان موسوعة معارف، في النحو والخطط والبلدان والآثار.

جيل ذهبي

مصطفى جواد من جيل ذهبي ترجم الوطنية الى مفردات النزاهة في الوظيفة والصرامة في التعليم والانحياز لفئات الشعب المسحوقة وتمثيل العراق بجدارة في مؤتمرات ومحافل ومجامع علمية وثقافية .
مكتبته التي جمعها من عصارة جهده وماله تبرع بها الى الدولة التي بعثرتها واهملتها، صحته افناها في خدمة طلابه ومؤلفاته ،ولهذا رحل مبكرا دون ان يغادر ذاكرة محبيه ولا ضمير من عايشه وتتلمذ على يديه فكما هو الاستاذ والمربي والمؤلف البارع فهو الاب الحنون الذي لاتغادر عطره جوانب البيت ومازالت طرائفه يرددها الآباء للابناء يفتخرون باسمه المحفور في ذاكرة الوطن وهامات الكتب وحكايات التلاميذ واروقة الجامعة واشرطة قل ولاتقل الخالدة:
قل مصطفى جواد حيا خالدا ولاتقل مات وفنى.


تحرير: توفيق التميمي
 

 





   

   تعليقات القراء

 

الموضوع المنشور يعبر عن رأي صاحبه ... أضف أو صحح ما جاء في الموضوع
 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  

 

 
 
 
 
 
 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

Nbraas.com