... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 

 

 

 
 

الاكثر تصفحا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 ذاكرة المكان والمدن

 

 

تطور مساحة مدينة بغداد في العصر العباسي

عدد المشاهدات   2606
تاريخ النشر       25/02/2015 06:23 PM


نبراس الذاكرة 



 اهتمت الجغرافية العربية الوصفية في القرون الماضية، بنوع من المؤلفات التأريخية الجغرافية انصبت الدراسة فيها على مدن مفردة في نواحٍ شتى من العالم الاسلامي، وأمدتنا بالمعلومات الجغرافية عنها، أُطلق عليها اسم(المصنفات الطبوغرافية) وهي خاصة بالمدن والخطط.
وقد اكتسب الأدب الجغرافي الطبوغرافي انتشاراً واسعاً في مصر بصورة خاصة حيث امكن تتبع ومنذ النصف الثاني للقرن التاسع الميلادي، نوع فريد مستقل من المصنفات من الطراز المعروف باسم الخطط، أي وصف الاحياء والنواحي.

وعلى هذا الغرار جاءت هذه المقالة متناولة واحدة من أهم مدن العالم ، وهي مدينة بغداد، ويتحدد هدفها بالقاء الضوء على تطور مساحاتها وبيان التقديرات المختلفة حولها عبر مراحلها الزمنية، منذ إنشائها والى يومنا هذا.

احيطت مدينة بغداد في تخطيطها الأول(المدينة المدورة) بسورين دفاعيين، وأقُيمت على رقعة من الأرض اختلف الرأي حول تحديد مساحتها. ويظهر هذا الاختلاف من تباين الروايات التي ذُكرت حول تقدير تلك المساحة.
وفي الوقت الذي يمكن الاستنتاج أن المساحة تبلغ، بموجب رواية اليعقوبي (ت284هـ)، بما يعادل 8كم2، نجدها تتقلص تبعاً لتقديرات أُخرى الى 3كم2. وهناك تقدير وسط يجعل مساحة المدينة المدورة في مرحلة التأسيس 5.3كم2.
وهذه التقديرات قريبة مما رواه (رباح البنّاء) ، وهو ممن اشترك في بناء سور المدينة، إذ ذكر ان محيطها يعادل 8كم، ولكن إذا حُسب محيطها من خارج الخندق يصبح 10كم، ما يجعل مساحتها في الحالة الاولى 5كم2 وفي الحالة الثانية 8كم2.

وبعد انجاز المدينة المدورة أقبل الناس على السكن الى جوارها، فتطورت احوالها واتسع عمرانها، حتى شملت مساحات واسعة من الأرض خارج أسوار المدينة وامتدت اطرافها الى جميع الجهات من ابوابها الاربع. كما تم استيطان الجانب الشرقي من نهر دجلة(*) فنمت المحلة الشرقية (الرصافة)، حتى اصبحت تنافس المدينة المدورة وارباضها في الجانب الغربي. وعلى أثر هذا التوسع قدرت مساحة بغداد عند ارتقاء الخليفة المهدي عرش الخلافة العباسية سنة 159هـ/775م بما يعادل 13- 15.5كم2. واستمرت في التوسع حتى امتدت أبنيتها وبساتينها الى مسافات بعيدة عن المدينة المدورة. وقد ظلت المدينة المدورة تعرف باسمها هذا حتى أوائل القرن الرابع الهجري قبل أن يبدل اسمها الى(محلة باب البصرة). وقد تمثل هذه المحلة ربع المدينة المدورة والبقية تكون قد اندثرت . وفي أيام الرحالة زكريا القزويني(ت 682هـ/1283م) لم يبق أثر من مدينة المنصور المدورة.

ويبدو أن أعظم مرحلة مرت بها مدينة بغداد- في العمران والمساحة- كانت أيام المعتضد( 279- 289هـ) حيث قُدرت الرقعة المسكونة منها حسب رواية ابن الجوزي(ت 597هـ) نحو 53750 جريباً ويعادل 74.4كم2(منها 37.4كم2 للجانب الغربي و 37كم2 للجانب الشرقي). في حين يرى آخرون أن مدينة بغداد بلغت أوج عمرانها وتوسعها وعظم حجم سكانها كان في عام 305هـ/ 917م، أي في عهد المقتدر بالله، وذلك لأن الخلفاء العباسيين الذين خرجت من أيديهم السلطة السياسية انصرفوا الى البناء والتعمير وقلدهم في ذلك الحكام البويهيون . وهناك من حدد مساحتها في القرن العاشر الميلادي بنحو 51كم2.

وفي العام (320هـ/ 932م) ذُكرت لها أبعاد في الطول والعرض يُستنتج منها أن مساحتها تصل الى اكثر من 61كم.

وتقديرات المساحة التي أوردها ابن الجوزي والخطيب البغدادي تقترب من التقدير الذي ورد عند الاصطخري (346هـ/ 957م) وهو 5 أميال عرضاً في مثلها طولاً، اي 25 ميلا مربعا( 64كم2) اذا كانت مربعة الشكل و 19.5ميل2( 50كم2) اذا كانت دائرية الشكل ومحيطها بهذا المقدار.
فقد سبق وان زار الاصطخري مدينة بغداد أيام عزها فوصفها وصفاً بليغاً بحيث جعل الاستاذ أمين زكي بك أن يعد الجداول والتلال التي تشاهد في ضواحي بغداد الى مسافة 15- 20كم جزءاً من تلك المدينة ، وقد تصل الى التل الأسود، ما يجعل مساحتها غير معقولة.

وذكر الرحالة بنيامين التطيلي عند زيارته لبغداد سنة 564هـ/1164م أن استدارتها كانت 20 ميلاً (32كم). وزارها بعده الرحالة (فتاحيا) في حدود سنة 579هـ/1183م وذكر أن طولها مسيرة يوم واحد وأن استدارتها هي مسيرة ثلاثة أيام. ويقدر " كي لسترانج" مساحة قصور الخلفاء المذكورة باكثر من ربع مساحة بغداد الشرقية ايام عزها، في حين يقدرها روبرت ماك أدمز بثلث تلك المساحة في عهد المعتضد والمكتفي والمقتدر، حيث كانت تفصلها أسوار عن بقية أجزاء المدينة، كما شيدت أحياء جديدة مكتظة بالسكان حول الحي الفسيح الذي يشغله قصر الخليفة. وفي العصر العباسي المتأخر تقلصت مساحة المدينة الى مايعادل 54كم2 بحسب بعض التقديرات.
وعلى نقيض ماتقدم ، قُدرت مساحتها خلال مرحلة التدهور، بنحو 6.2كم2 ، إذ كان شكلها غير منتظم ويشبه شبه المنحرف من جهته الشرقية، حيث كانت المدينة في زمن ياقوت الحموي (حوالى سنة 623هـ/ 1224م) مفككة ومكونة من محلات مسورة متفرقة.

وفي القرن السابع الهجري ذكر ابن سعيد المغربي أن طول وتر قوس مدينة بغداد على دجلة في الجانب الشرقي كان مقداره ميلين(4كم). واذا عُدَّ طول وتر قوسها يمثل قطر الدائرة فإن مساحتها تعادل 12.5كم2 إذا كان شكل المدينة دائريا، وإذا صح ذلك فيعني تدهورا كبيرا لمساحتها.
وفي العام (656هـ/ 1258م) حاصر المغول مدينة بغداد بقيادة هولاكو وفتحوها وأزالوا الخلافة فحلت محلها سلطات محلية لم تكن ، رغم اسلامها ، متشبعة بالمثل القديمة، فانحدرت بغداد الى مدينة محلية وعمّ الدمار محلاتها الخاصة وأبنيتها العامة، فضعف نشاط أهلها وخبأ العلم منها، وقتل عدد كبير من ابنائها ، واستمرت في التدهور والانكماش ولم ينقذها ضم العثمانيين (العراق) الى دولتهم، فظل الركود مخيماً عليها وإن لم يزلها.


ا.د.عباس فاضل السعدي

 

 





   

   تعليقات القراء

 

الموضوع المنشور يعبر عن رأي صاحبه ... أضف أو صحح ما جاء في الموضوع
 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  

 

 
 
 
 
 
 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

Nbraas.com