... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 

 

 

 
 

الاكثر تصفحا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 مذكراتي وحوار الذكريات

 

 

في موسكو وصلتني أنباء إنقلاب شباط بوحشيتها وقسوتها

عدد المشاهدات   1071
تاريخ النشر       13/03/2015 03:59 PM


نبراس الذاكرة


 

شهادة الفنانة التشكيلية العراقية المغتربة أمل بورتر: 
 

امل بورتر حكاية لامراة عراقية هي أقرب للحلم والاسطورة منها الى الواقع والتصديق ، لانها سليلة حضارتين حيث تنحدر من اب بريطاني وام عراقية ، تعلمت درس التسامح من المدينة التي نشأت بها طفلة وترعرعت بين أزقتها كركوك، لتصبح فيما بعد رسالتها الاولى في الحياة التقريب بين الشعوب والأقوام بسلام.........
حتى هذه اللحظة تنتفض منفعلة بوجه من يقدمها كامرأة بريطانية في المحافل والمنتديات الثقافية والفنية التي تلبي دعواتها سنويا دون ذكر انتمائها لارض الرافدين التي تحمل خارطتها على صدرها كهوية حب واعتزاز .
غادرت امل العراق نهاية الثمانينيات من القرن السابق في لحظة انتهاء الحرب المدمرة بين العراق وايران بالقسر والاجبار ، ولكنها ظلت تحمل العراق في قلبها وبقيت متمسكة بدروس التعايش والتسامح التي تعلمتها من مسقط رأسها في بغداد ومضت تجوب الدنيا كلها رسولة للتعددية والحوار الانساني بين البشر كلهم مهما اختلفت الوانهم والسنتهم واديانهم، كان اروع ما تعلمته من بلدها العراق بأن العالم يحتمل الجميع للعيش المشترك بسلام والمفارقة اننا جميعا نحتاج هذا الدرس اكثر من أي وقت مضى.

الفرقة السمفونية

في الشارع العراقي ظهرت المماحكات والمجادلات والاصطدامات ازدادت وتجذرت ووصلت الى الاعتداءات البدنية من كل الاطراف السياسية من دون منازع واصبح للقوة العضلية فعلية كانت ام رمزية هي المسيطرة على أجواء البلد قاطبة، فقدت الامل تماما، ولكن نجمة قطبية بعيدة اشعت منحتني حبا جديدا وملأتني حبورا وهي مشاهدتي للصفوف الطويلة من رجال من بيئات مختلفة يحملون آلاتهم الموسيقية وينتظرون منا نحن الطلاب في معهد الفنون الجميلة تسجيل اسمائهم في قوائم ليخضعوا لامتحان في مدى تمكنهم من العزف على آلة موسيقية لتشكيل نواة الفرقة السمفونية، تلك الطوابير الطويلة جدا تمتد من مدخل معهد الفنون وتنحرف الى شارع الزهاوي اعادت لي بسمة كانت قد جمدت او هربت،لم اكن اتوقع ان اجد كل هؤلاء وهم من عامة الشعب يحلمون بالفرقة السمفونية ، لقد بعثتهم الاقدار لي لتعوضني بهؤلاء الرجال عن حلمي الخابي في ان تصبح اختي عازفة للبيانو.

الاحلام تنمو وتكبر واغلب الاوقات لا تتحقق او عندما تصطدم بواقع ما تتلاشى ، وكل احلامي بثقافة واعية ناضجة وتعليم للجميع بأساس صحيح ومناهج تراعي العلم والمعرفة والفنون ونشر وعي يؤمن للفرد حرية الفكر والمعتقد وكل الخيارات الاخرى، هذه الاحلام العملاقة تلاشت على ارض الواقع وكان لابد من الهرب الى حلم اخر، انها البعثة للدراسة والتسلح بالمعلومة والعودة بقوة العلم لمواصلة المسيرة ، فكانت موسكو التي فرضت علي فرضاً انا التي اخترت الصين.

بعثة فنون وشباط الأسود

بعد تخرجي من معهد الفنون تقدمت للالتحاق ببعثة للدراسة وتم قبولي في الصين ، كانت فرحتي لا توصف، وكثير من زملائي الطلبة اعتقدوا بانني حصلت عليها لانني انتسب لاتحاد الطلبة العام، ولكنني اؤكد عكس ذلك تماما،فكثير من موظفي دائرة البعثات حاولوا عرقلة طلبي لانني كنت محسوبة على جهة لم ترق لهم،كما وان درجات تخرجي كانت عالية وكنت متفوقة ولا انكر بانه كان هناك زملاء متفوقون ايضا ،ولكن اكثرهم فضل الوظيفة لحاجتهم المادية بالاضافة الى انه خلال تاريخ البعثات لم تقدم اي فتاة لطلب البعثة والسفر الى خارج العراق للدراسة في مجال الفنون، لذا مديرية البعثات كانت تشجع الفتيات للالتحاق بالبعثات، فاهتمت دائرة البعثات بطلبي كثيرا وانا شجعت زميلتي ليلى البازي على التقدم، وفعلا تقدمت وقبلت رغم ان معدلات تخرجها لم تكن عالية جدا، الا انها طالبة مثابرة وكانت تريد السفر، وبعد أشهر وقبل سفري تغيرت وجهة البعثة وحولت انا الى الاتحاد السوفيتي وليلى الى جيكوسلفاكيا، واعتقد لحسن حظي تركت العراق في تلك الحرجة من تاريخ العراق الجمهوري فلقد كنت اتوقع هذا الانهيار، واشير الى احتمال ما سيحدث الا انني كنت اجابه بتسخيف ما اقول، و يقولون لي ان الزعيم قوي جدا والشعب يعبده ولن يستطيع احد ازاحته، ولكن تشاؤمي كان في محله ، ونحن في موسكو توقيتها هو توقيت بغداد نفسه، واتذكر رنة الهاتف صباحا وكانت الشاعرة وفية ابو اقلام تخبرني بما حدث وهي تصرخ وتقول باللهجة البغدادية الدارجة المحببة لنفسي ( اللي كلتيه صار ولج صار اللي كلتيه) وحرم علي العودة الى العراق ، ،فلقد كتبت الصحف عن نشاطي في اتحاد الطلبة واتهمتني بما اتهمت الشعب كله بالفوضوية والشيوعية. ولم استطع تجديد جواز سفري العراقي، ربما ارادت الاقدار ان ترحمني ولم اكن في العراق فما سمعته بعد عودتي كان مرعبا رهيبا.
هل سارسم تلك المجازر طبعا لا ، لن ارسمها لانني لم اعشها في وقتها ولكنني عشت بعدها مجازر مستمرة خلال الحروب ومشاهد المعركة و مواكب النعوش التي ملأت شوارع بغداد والعراق، وكل الارهاب الذي عشته مع زوجي وايام سجنه في ابو غريب والتضييق الشديد على الانفاس.

في موسكو

لم تبهرني موسكو كثيرا انا التي قد تعودت على الاجواء الاوروبية خلال سفراتي العائلية، ولكن الهدوء وقلة السيارات بعد صخب وفوضى وضجيج بغداد وازدحامات اوروبا مع استغلالها المادي للفرد كانت تريحني ، الفنون هناك مباحة وسهلة وتحت الطلب متى اردت من موسيقى وسينما ومسرح وبالية واوبرا ومتاحف، كل هذه كانت جنة ارضية بالنسبة لي.
في موسكو وجدت رحابة بجوها الاجتماعي العلمي المعرفي الفني وحتى السياسي ، كان لاول وهلة تجذبني، كثرة المتاحف والمكتبات والمسارح وصالات الموسيقى والسينمات والحرية الشخصية لكلا الجنسين ، اخذت انهل بشغف واصبو الى التخمة من كل ما حرمت منه في العراق,سكنت في جامعة موسكو ودرست في معهد سوريكفا،الدراسة في المعهد كانت قمة التعلم والفائدة. واحد الاساتذة كان الفنان العالمي الشهير (دينكا) درسني لمدة ثلاث سنوات وكان خلال تلك السنوات يحدثنا عن ايام سجنه في زمن ستالين، ويبدو انه قد تم الافراج عنه قبل سنة من وجودي في المعهد بالسنة الاولى، قال لنا كيف منع عنه ستالين الرسم والاوراق والاقلام وهو في السجن وكان محكوما عليه بالاشغال الشاقة، وخطرت له فكرة ان يطالب بان يقرأ جريدة (البرافدا) يوميا واعتبرت سلطات السجن ذلك نوعا من الاصلاح الفكري له ،ولكن هو كانت له فكرة اخرى، فقال لنا نحن الطلبة ان الجريدة كانت تطبع بالاحمر والاسود باحبار غير ثابتة وما ان تمسك بالجريدة حتى ترى يدك وقد صبغت بالاسود والاحمر، فاخذ (دينكا) يمحو صفحات الجريدة بتأن الى ان تزول الاحبار ويحتفط بجزء اخر من الجريدة ويلف ذلك الجزء الملون بالاسود والاحمر ويحوله الى ما يشبه القلم ويرسم ويخبئ ما رسمه بين صفحات جريدة البرافدا المتراكمة في الزنزانة، وما ان اعتلي السلطة خروشوف حتى تم اطلاق سراح (دينكا) وخرج ومعه كم هائل من التخطيطات التي تترجم احوال السجناء في السجن (الستاليني) واطلعنا عليها. ما كان يحكيه لنا دينكا جعل السراب يتبدد والرؤية توضحت امامنا وسقطت ورقة التوت التي كانت تبرقع النظام الشيوعي الاشتراكي في موسكو ، وجدت ان الطلاب يفرض عليهم ما يشبه العمل الشعبي صيفا ولا مفر منه و لا خيار بالرفض وان الخدمة العسكرية اجبارية وقد تطول الى مدة طويلة حسب الظروف و هكذا بهذه المشاهدات بدا يسقط وهم الخيال وتتهشم الصورة البراقة للنظام الشيوعي الذي كنت اهواه واحلم به ، ولكن بقيت نتفا هنا وهناك قد تينع وبمرور الوقت وجدت الفساد الاداري والرشوة ولم اجد من الاشتراكية الحقيقية سوى الرايات الحمراء المعلقة في الشوارع والساحات وما يقدم مجانا للطلاب من مواد قرطاسية مع الخبز والحليب مجانا وقلت (رحمة احسن من ماكو) ولكن لم نقتنع بالقليل والكثير فقط للنخبة.

تجمع عراقي في موسكو

التجمع العراقي في موسكو جلب معه كل حسنات وسيئات المجتمع في بغداد ، ولم اجد بانني ساستطيع ان اكون انا بل يجب ان اكون ما يراد مني ،هناك نخبة وهناك تعصب مغلف بواجهات غير عميقة أو واقعية، والانحيازات السياسية اتخذت طابعا عدائيا وكنا نحذر من ان نكون وحدنا امام تجمعات عراقية تؤمن بالعدوان والاذى تماما مثل ما يحدث في الوطن، اسماء لامعة كانوا زملاء اعزاء لي منهم من كنت شاهدة على زواجهم وقسم اخر شاركتهم افراحهم واحزانهم، ولكن الاغلبية كانت تمثل لي الخضوع لأعراف بالية او الانهزام نحو تطلعات نفعية فردية.

الطامة الكبرى

وانا في موسكو حدثت الطامة الكبرى التي كنت اتوقع حدوثها انه شباط الاسود وصلتنا الاخبار بكل قسوتها ووحشيتها.
وتركت موسكو غير متحسرة الا على فقدان المتاحف والمسارح وذهبت الى فيينا عند اخي بانتظار ان تتغير الاحوال، وفعلا وانا في فيينا تم القضاء على العدوان البعثي الاجرامي بعد تسعة شهور من الشهية الدموية المفتوحة لامتصاص دماء الابرياء من الشيوعيين واصدقاء الزعيم واناس فقراء لاعلاقة لهم بذلك تسعة شهور من حكم الانقلابيين كانت كافية لعودة العراق الى القرون المظلمة واعادة ذكريات المغول في بغداد التي عدت اليها، فلا خيار اخر لي.

العودة الى بغداد

عدت ومعي رسالة توصية من الملحقية الثفاقية بان اواصل دراستي في بغداد لانني كنت قد قطعت مرحلة مهمة في معاهد موسكو ومن الممكن الاستمرار في بغداد لمدة سنة واحدة فقط واتخرج ،ولكن طلبي رفض بشدة وكلما اقدم الطلب مجددا اجابه بالرفض الرسمي المبهم، وبعد ان تدخل من تدخل بشكل غير رسمي قيل لهم انني شيوعية وهذا يكفي لرفضي. ورفض طلبي لمواصلة الدراسة في بغداد ليس من قبل وزارة التعليم بل من الاكاديمية واساتذتي.
صدر امر تعييني بموجب الكفالة التي قد وقعتها وعينت بقرية نائية في ديالى وكان علي الرفض ودفع الكفالة.عملت مع زوج المستقبل(يوسف جرجيس حمد) في مشروع شركة لمواد التجميل ومكتب للاعلانات، يوسف وانا كانت تربطنا علاقة عائلية وفكرية قوية ، لكننا لم نرتبط باي علاقة عاطفية ،وباستمرار العمل معا وللتناغم الفني والسياسي والادبي فيما بيننا ترعرت بذور الحب ونمت لاحقا ، وبعد زواجنا استطعت ان احصل على وظيفة في المتحف العراقي بعد ان قدمت طلبا بواسطة مجلس الخدمة، اذ حينها كان المتحف قد اعلن عن الرغبة بتعيين خريجي الفنون وتمت مقابلتي واختياري للعمل، وحينها اذكر كان المدير العام لمجلس الخدمة الاستاذ صاحب خميس وهو صديق لزوجي ،وانتعشت الامال، حين اصبحت اما وعملي مع زوجي استمر يدا بيد مع الاستمرار في اجواء المتحف الاكاديمية الهادئة.

في شركة الاعلانات

خلال عملنا في شركة الاعلانات انتج يوسف افلاما كثيرة لشركات عراقية وقدم فوزية عارف كنجمة اعلانات جيدة وخليل الرفاعي وغيرهما، كذلك كانت تصاحب الاعلانات اغان ومقدمات كتبها ولحنها افضل كتاب الاغاني والملحنين منهم سيف الدين ولائي واحمد الخليل وغيرهم، ومن الممثلين الاعزاء الذين رفضوا العمل بالاعلانات كان الزميل العزيز الفنان الرائع حمودي الحارثي، اذ كان المنحى حينها ان الاعلانات فن هابط ولا ينبغي على الممثل الجاد ان يظهر في اي اعلان، كان مكتبنا في مفرق الكرادة قرب تمثال كهرمانة في عمارة غسالي، واصبح المكتب ملتقى لنخبة من الفنانين والكتاب والمسرحيين ولاول مرة اشعر بان بغداد بدأت تمنحنا حبها لأن اهلها احترموا حضورها التاريخي وسحرها.

أيام في المتحف العراقي

في المتحف العراقي عملت مع نخبة من افضل ما تكون، كنا ضمن فريق عمل نهيئ المتحف للافتتاح الرسمي ،اعمارنا متقاربة يجمعنا حب العراق وتاريخه وكل اثر صغير في المتحف. طموحنا اكبر منا ولم نتوقع ان يحد او يتحول مساره باتجاه بوصلة عاطلة و منحرفة.
بعد افتتاح المتحف عملت في قسم النشر وكانت تجربة حية مهمة جدا، وكان المدير العام وقتها الدكتور فيصل الوائلي ورئيس التحريات والتنقيبات العلامة الذي نهلت من معارفه الكثير الاستاذ فؤاد سفر -رحمه الله وطيب ذكراه- والعالم المتواضع الجليل الاستاذ محمد علي مصطفى الذي ارتبطنا بعلاقة طالب باستاذ به زوجي وانا، وكان لنا خير استاذ ومعلم وصديق.
.كانت هناك اسماء لامعة في عالم الاثار منها الدكتور فرج بصمه جي وطارق مظلوم ولمياء الكيلاني ونجيب كيسو وبهنام ابو الصوف.
لمياء الكيلاني كانت رئيسة في القسم التربوي حينها اخذ القسم على عاتقه ان يقيم دورات لطلبة المدارس الابتدائية والمتوسطة بعد ان تم تشخيص الحاجة لاهمية التوعية الاثارية والفنية والتاريخية لتلاميذ المدارس،
انيط بي واجب التدريس والاشراف ، كانت مبادرة حية مهمة تحمست لها جدا، لم نتوقع ان تكون الرغبة لدي الأهل والتلاميذ بهذا الزخم والكم،استمرت الدورة خلال العطلة الصيفية، من أهدافها توعية تاريخية باستخدام الرسم، الا ان هذه الدورات سرعان ما اريد تحويلها لتمجيد البعث الا انني كنت قد استقلت من المتحف حينها ولمياء الكيلاني غادرت العراق، يبدو ان الاقبال ضعف وألغيت هذه المبادرة الهادفة.
الجو الاجتماعي والفني والسياسي اتسم بالهدوء والسكينة واقمت اول معرض لي في بغداد بمعهد (جوثة) الالماني ، وشاركنا فرقة المسرح الحديث التي اضيف لاسمها كلمة الفني، ولا تخفى علاقة الصداقة المتينة والطويلة المدى التي تربط كلا اليوسفين العاني وزوجي جرجيس، كنا يوميا نزور الفرقة خلال تمارينها وبعد التمارين الكثيرة من اعضاء الفرقة ياتي الى بيت يوسف العاني اوبيتنا لنكمل السهرة والنقاشات والافكار، تبلورت لنا مشاريع وكل الاقتراحات كانت تلقى صدى من كل المجموعة وتناقش بجدية،وبقيت ارسم وانتج اعمالا بحيث تكونت لي مجموعة جيدة تم عرضها في بيروت في كاليري (وان) لصاحبه الشاعر اللبناني يوسف الخال واستضفنا بالمقابل فنانا لبنانيا اسمه اورفيوس في جمعية الفنانين. 
حاورها : توفيق التميمي
 

 





   

   تعليقات القراء

 

الموضوع المنشور يعبر عن رأي صاحبه ... أضف أو صحح ما جاء في الموضوع
 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  

 

 
 
 
 
 
 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

Nbraas.com