جعفر العسكري اول وزير للدفاع في الدولة العراقية الحديثة

المقاله تحت باب  نساء ورجال في الذاكرة
في 
16/06/2012 10:55 AM
 



 


نبراس الذاكرة:
كنت قبل ايام قلائل اتصفح كتابا ممتعا وجميل الاخراج اصدرته دائرة التوجيه السياسي في وزارة الدفاع في السنة الماضية بمناسبة الذكرى الستين لتأسيس الجيش العراقي فلفتت نظري فيه صورة للفريق جعفر العسكري اول وزير للدفاع في الدولة العراقية مع نبذة عن سيرته (ص20).
 
 ووجدت في ذلك آية من آيات الوفاء العربي، وانموذجا للخلق العسكري النبيل في الاعتراف بفضل الاولين، وتسجيل خدمات المساهمين في بناء جيشنا الذي يعد مفخرة بين الجيوش العربية ودرعا حصينا من دروع الامة، هذا الجيش الذي يقدم اليوم اروع أمثلة البطولة والفداء في معركته التي يخوضها دفاعا عن حقوق بلاده، ضد عدو متخلف حاقد، يحارب الاسلام باسم الاسلام، ولا يمييز بين حلال وحرام، ولا يحترم قانونا بين قوانين الارض ولا ناموسا من نواميس السماء.
 
 ورأيت بهذه المناسبة ان اقدم في هذه الصفحة التاريخية لمحات من سيرة ذلك الرجل لانها سيرة حافلة بالاحداث واحيانا بالمغامرات التي تصلح ان تكون مادة لقصة سينمائية مقيرة وقد انتهت نهاية روائية حزينة.
 
كان جعفر العسكري شخصية نادرة بين شخصيات العراق التي تسلمت مقاليد المسؤولية في البلاد في بداية تاسيس الدولة العراقية الفتية وكثيرا ما سمعنا من عارفيه عن شخصيته وخفة روحه وظرف دعابته كما سمعنا عن شجاعته ولباقته السياسية، وثقافته العسكرية والقانونية، حتى علمنا اخيرا بمصرعه على يد بعض اعوان بكر صدقي ولم يكن قد عرف عن الرجل انه أساء الى احد في حياته.
 
ولم يكن لقب العسكري الذي الحق باسم جعفر باشا اشارة الى مسلكه وان كان عسكريا بل نسبة الى قرية عسكر التي تنتسب اليها باصله، وهي قرية قريبة من مدينة كركوك ويبدو ان الفريق بكر صدقي الذي قاد انقلاب عام 1936 كان أصله منها ايضا، فصار يلقب نفسه بالعسكري عملا بالقول المصري المشهور (مافيش حد احسن من حد).
 
 ولد في بغداد سنة 1885 وكان والده مختارا لاحدى محلاتها، ودخل المدرسة العسكرية التحضيرية فيها، ثم تخرج من المدرسة الحربية التركية في الاستانة وارسل في بعثة عسكرية للتدريب في المانيا فاقام فيها ثلاث سنوات ثم عاد واشترك في حرب البلقان وجرح فيها ولما أنتهت تلك الحرب وظهرت نوايا الاتحاديين العنصرية انضم الى حزب العهد العربي وكان من انشط العاملين فيه.
 
 ثم نشبت الحرب العالمية الاولى فعين مرافقا للاميرال الالماني فوق سوشن ومنح وسام الصليب الحديدي الالماني وكانت القيادة العثمانية العليا قد وضعت خطة للاستيلاء على مصر بمهاجمتها من الشرق والغرب في وقت واحد فتولى الفريق جمال باشا السفاح قيادة الفيلق الرابع لمهاجمة مصر من الشرق بطريق قناة السويس وعهد الى جعفر العسكري  باثارة القبائل الطرابلسية في ليبيا للاغارة عليها من الغرب بطريق السلوم.
 
 ولكن كيف يصل جعفر الى ليبيا والبحر المتوسط يزخر بيوارج الحلفاء لذا  تقرر ارسال جعفر في غواصة المانية من الدردنيل الى برقة فذهب اليها ونزل الى البر بعد تبديل زيه واجتمع بالسيد احمد السنوسي واتفق معه على تدابير الحملة ولم يكتف بذلك بل توجه الى مصر متخفيا ودخلها لدراسة الحالة فيها، وعاد بعد ذلك الى تركيا فصدر الامر بتعيينه قائدا عاما في جبهة برقة بعد ترقيته الى رتبة لواء وكان حامل هذه الرتبة في الجيش العثماني يحصل على لقب باشا تلقائيا ,
 
وسافر جعفر الى بيروت ثم استقل منها سفينة شراعية قاصدا سواحل برقة خلسة عن اساطير الحلفاء وكان ذلك في اوائل سنة 1915 وقد استغرقت هذه الرحلة المثيرة ثلاثة اسابيع واجهت السفينة خلالها مخاطر عديدة ووصلت الى مقربة من السلوم فاسرع رجالها في تفريغ حمولتها من الاسلحة والذخائر ولكن الحلفاء قبضوا عليها خلال عودتها واسروا نوتيتها بينما كان جعفر ورجاله في ليبيا يعملون على تنظيم القوات النظامية والقبائل الطرابلسية التابعة للسنوسي.
 
وعلى الرغم من الخطة المتفق عليها بين جعفر وجمال بالهجوم على مصر من الشرق والغرب في آن واحد، فان جمالا لم يتقيد بهذا الاتفاق لاعتقاده بانه يستطيع ان ينال هذا الفخر وحده ول يشأ ان يشرك غيره فيه، بل أستعجل الهجوم قبل أن يكمل جعفر استعدادته فكانت النتيجة ذلك الفشل الذريع الذي منيت به القوات العثمانية على قناة السويس.
 
اما جعفر فقد اسرع الى اجتياز الحدود المصرية بالقوات التي تمكن من تجهيزها وواصل زحفه في طريق الاسكندرية الى ان وصل مرسى مطروح فسحبت القيادة البريطانية قوات كبيرة من جبهة قناة السويس بعد ان هزمت قوات جمال باشا فيها، وجردتها على جعفر في جبهة مرسى مطروح وهاجمته من البر والبحر واشتبك الجيشان بالسلاح الابيض وجرح جعفر بطعنة سيف ثم أسر وجيء به الى القاهرة واعتقل في قلعتها.
 
وفكر جعفر في طريقة الهرب من القلعة فعقد عدة بطانيات ببعضها متخذا منها حبلا وتدلى في الليل من أحدى النوافذ ولكنه كان ضخم الجثة فلم تحتمل البطانيات ثقله وانفرط عقد احداها وسقط جعفر على الارض واصيب بكسر في الركبة. ولم تفارق جعفرا خفة روحه حتى في هذه اللحظة وكانت صلاته بأسرته قد اصبحت ودية فاخذ يلح على دفع قيمة البطانيات الممزقة فاضحكهم واستطاع ان يلطف الجو ويخفف من غضبهم فنقلوه الى المستشفى.
 
 وفي هذه الفترة كانت الثورة العربية التي قامت في الحجاز في بدايتها وكان الضباط العرب يلتحقون بها من كل حدب وصوب، فقرر جعفر الانضمام اليها فسمح له بالسفر الى مكة بطريق البحر الاحمر فلما وصلها الحق بالجيش العربي الذي كان مرابطا حول المدينة المنورة بقيادة الشريف فيصل وعين فيصل جعفر قائدا عاما لقواته دون استشارة والده الشريف حسين مما اغضبه وجعله يامر بعزله فابرق فيصل الى والده بان في ذلك اهانة لا يقبلها وانه سيتخلى من مسؤولياته وينفض يده من النهضة اذا اقيل جعفر. فاضطر الحسين الى الموافقة ببرقية استرضى بها ولده.
 
 واستولى الجيش الشمالي على العقبة واتخذها قاعدة حربية ثم سار شمالا حتى فتح دمشق وقبل انتهاء تلك الحملة كان الجنرال اللنبي قد منح جعفر باشا وساما في مقر قيادته في بير سالم بفلسطين وسط حلقة من الرجال المنتمين الى الفرقة التي اسرته في مصر، وكان لاختيار هذه الحلقة بمثايبة حرس شرف في ذلك الاحتفال وقع جميل في نفس جعفر، ولكنه مع ذلك حافظ على روح الدعابة التي اتصف بها طيلة حياته فاصر على ان يحمل في هذه المناسبة وسام الصليب الحديدي الذي ناله من اعدائهم الالمان وكان له ما أراد.
 
 وبعد احتلال سورية عين جعفر حاكما لمنطقة عمان ثم حاكما لمنطقة حلب بعد سقوطها ولما قامت الدولة العربية في سورية وتوج في فيصل ملكا عليها عين جعفر كبيرا لمرافقيه وبقي في هذا المنصب الى أن وقعت معركة ميسلون فترك سورية مع فيصل الى فلسطين ثم برحها معه قاصدا اوربا.
 
 وفي هذا الوقت كانت الثورة الوطنية في العراق ثورة العشرين التي قامت ضد الحكم البريطاني قد اشتد اوارها حتى حملت الانكليز على تغيير سياستهم في العراق، وتاسيس حكومة وطنية في مظهرها على الاقل فتالفت الحكومة المؤقتة برئاسة السيد عبد الرحمن النقيب وطلب الى جعفر العسكري وكان قد وصل الى بورسعيد في طريقه الى اوربا مع فيصل ان يعود الى العراق للاشتراك في تلك الحكومة وزيرا للدفاع وهكذا اصبح اول وزير للدفاع في دولة العراق الحديثة، وبهذه الصفة كانت  المهمة ااولى التي القيت على عاتقه انشاء جيش عراقي وطني تمهيدا لتاسيس دولة عربية واحتفظ جعفر بمنصبه هذا في وزارة النقيب الثانية ايضا.
 
ولما عقد مؤتمر القاهرة المشهور في اذار سنة 1921 برئاسة المستر تشرشل وزير المستعمرات البريطاني حضره جعفر العسكري مع السر برسي كوكس وفي هذا المؤتمر تقرر تاسيس الدولة العراقية ونصب فيصل الاول ملكا عليها.
 
وفي سنة 1922 عين جعفر باشا اول ممثل للعراق في بريطانيا ولكنه استدعي الى بغداد بعد سنة واحدة وعهد اليه بتاليف الوزارة فبقي في رئاسة الوزارة حتى اب 1923 ثم استقال منها فخلفه فيها ياسين الهاشمي وعاد هو الى لندن وزيرا مفوضا للمرة الثانية وعاد الى بغداد مرة اخرى فالف وزارته الثانية وبعدها الى لندن للمرة الثالثة فبقي فيها من سنة 1923 الى سنة 1934.
 
وانتمى جعفر خلال القامته في لندن الى أحدى كليات الحقوق فيها ودرس القانون واكمل دراسته ونال شهادته وكان ذلك بطبيعة الحال بدافع من رغبته في الاستزاده من العلم، ولم تكن له بالشهادة حاجة بعد ان وصل الى اعلى منصب واصبح رئيسا للوزراء مرتين ووزيرا للدفاع خمس مرات.
 
واستدعي جعفر العسكري الى بغداد وعين وزيرا للدفاع في الوزارة التي الفها ياسين الهاشمي في اذار سنة 1935 وكانت هذه المرة الخامسة والاخيرة التي يتولى فيها هذه الوزارة التي احبها وخدمها مدة طويلة.
 
 وفي اواخر سنة 1936 فاجا بكر صدقي وزارة الهاشمي بانقلابه المعروف فقرر جعفر الخروج لمقابلة القطعات الزاحفة على بغداد وكان واثقا انه سيستطيع بتاثيره الشخصي ان يثنيها عما تعتزمه ويحبط محاولة بكر صدقي معتمدا على ما يكنه الضباط له من محبة واحترام ولكن بكر صدقي كان يعرف ذلك ايضا فلما يلغه خروج جعفر ارسل اليه من يقتله قبل وصوله الى مقر القوات خارج بغداد .
 
وهكذا انتهت حياة الرجل بصورة روائية كما بدأت وكما كانت في معظم مراحلها وكان في حادية والخمسين من عمره.
 
كان جعفر العسكري شخصية ظريفة وسياسيا مرحا وصاحب نكتة وتروي عنه قصص طريفة ومقالب متنوعة وكان بدينا مكتنز الجسم ذكيا كثير القراءة وقد جاء في التقرير السري الذي اعدته السفارة البريطانية عن الشخصيات العراقية لسنة 1935 والمحفوظ بدار الوثائق البريطانية في لندن الوصف الاتي:
 
 يتكلم العربية والتركية والكردية والارمنية والفارسية والالمانية والفرنسية والانكليزية ضخم الجسم متقلب المزاج بطبيعته نزيه حسن النية ولطيف المعشر وان كان خاملا بدرجة لا يواجه معها الحقيقة حينما تكون مزعجة ميال الى تبني موقف اقل مقاومة وانتظار ما فيه الخير ليست له قدرة على الدسائس ويخدع بسهولة , متكلم جيد وتاكتيكي ممتاز ولكنه ليس استراتيجيا شجاع ويقظ في المعارك. ولا شك ان سيرة جعفر العسكري واعماله يجب ان يحكم عليها بالمقياس الى العهد الذي عاش فيه وعلى ضوء الظروف السياسية المحيطة بالبلاد في ذلك العهد بالاضافة الى علاقته الشخصية بنوري السعيد فقد كان متزوجا من شقيقته كما ان زيجة نوري كانت شقيقة جعفر ومن الوفاء ان يذكر الرجل في ذكرى تأسيس الجيش العراقي.
 
 الف باء العدد 745 نجدة فتحي صفوة